عواد ناصر
دمشق مظفر النواب
طيلة اليوم، نهاره وليله، الذي سبق موعد ذهابي لزيارة الشاعر مظفر النواب دارت بي الذاكرة في مدارت عدة، تتقاطع وتتسع، مثل حياة الشاعر وتجربته وأحلامه وروح قصيدته المحلقة.
تذكرت "جنح غنيدة" و "لعيبي" وعينيه اللعوبتان، وذاك الريل الذي مر علي السدة مثقلا برائحة القهوة والهيل. كان نهاري الذي سبق موعد اللقاء دمشقياً مكاناً وبغدادياً زماناً.. كان يوما بطعم "ليلة من ليل البنفسج" و "حلاوة ليل محروقة مثل خيط السمك".. وبحزن لا يشبه الحزن.. "مو حزن لكن حزين".
ودندنت بأغنية فاضل عواد بكلمات مظفر:
شكد نده ... نكط علي الضلع/ ونسيت أكلك .. يمته
أشكد رازقي ونيمته/ وأشكثر هجرك عاشر ليالي الهوي وما لمته
لمن سحنت الليل/ بكليبي/ وكلت موش أنت
اما التراجي مرجحن/ حسك الصافي وغفه/ وياما الدمع ضوه سواد العين
وعينك ترفه/ وتدري تنيت الدفو/ بلهفة ورده
وما جيت ونيمني الثلج ... والشته كله اتعده
لا بالمحطة رف ضوه و لاخط اجانه من البعد/ لا ريل مر علي السده
والشته كله تعده كله تعده/ واعلكنه للصيف اليجي روازينه السمره ... شمع
من ينزل أول الدفو بنيسان.. يهتز نبع
يمكن يخضر دمع ... يمكن بعد بالروح يا ريحان وصلة تنزرع
والكيظ أجانه وأنكضه ورد أنكضه.. ورد كيظ أجه
والزلف هجرك فضفضه/ ورد فضفضه/ وما مش رجه
زرازير البراري
لم أتوقع أن أجد مظفر (ابو عادل) علي هذه العافية!
لم أتوقع أن يفتح مظفر الباب، باب البيت، بنفسه وأن يواجهنا بتلك الأناقة.. أناقة الشاعر والروح والذاكرة.
لم أتوقع، أيضا، أن أجد علي طاولة الصالون، صحيفتين عربيتين، إحداهما (الزمان).عدم توقعي لم يكن بسبب معرفتي بمظفر شاعراً فتح للشعر العامي (ولا أقول الشعبي) أفقاً مفتوحاً علي التجديد والتركيب والمزاوجة بين أعتق مفردة ريفية وأحدث مفردة مدينية في قصيدته. يعود عدم توقعي إلي إشاعات إعلامية وكتابات أرادت أن تعزل مظفر عن نبضه الحي وذاكرته المتوقدة ونشاط أجنحة "زرازير البراري".
إن مظفر نفسه بدا وقد ضاق ذرعاً بكتابات غامضة الهدف متسرعة في ردة الفعل وغير متأكدة مما تقول، فبعضها وضعه علي حافات القبر (لا سمح الله) وبعضها الآخر نقل "سبقه الصحفي" كاذباً ومريباً وسيئ القصد عندما قال: "الشاعر يعاني سكرات الموت"! إن ذلك أشد ما يزعجه.
يمكن أن نضع هذا وغيره في خانة "الاستشعار عن بعد" وهو مهنة الكاتب الملفق والصحفي سالق البيض.
لكن أين نضع ذاك الشاعر القريب جداً من مظفر الذي سألته عن أحواله وإمكان زيارته للإطمئنان عليه فقال لي: لا أنصحك بهذا، فمظفر، نفسه، لا يريد أن يراه أحد بحالته المزرية!!
لماذا أراد هذا الشاعر أن يحجب مظفر عن محبيه وأصدقائه وعشاق شعره؟
هل هي محاولة للاستحواذ وغلق باب الشاعر أمام أي تسرب عاطفي بعيداً عن مفتاحه الصديء؟
أبواب بيت مظفر ونوافذه مشرعة للحب والصداقة والشعر والعافية.
نعم، الشاعر متعب بعض الشيء وفي حالة صحية تحتاج عناية وأن يعيش بشروط جديدة غير تلك التي عهدناها به أو عهدها بنفسه، وهذا أمر طبيعي لمن في سنه ومن عاني تجربة حياة قاسية تعمدت بالسجن والاختفاء والهرب والمنفي والعيش وحيدا طيلة حياته وهي محطات موحشة كفيلة بأن تهد روح وجسد أي شخص لكنه كتب أكثر أغانينا عشقاً وغزلاً وانتماء.
أرقت تلك الليلة ولم يغمض لي جفن.. ليلتي متوترة وجفني حجارة:
جفنك جنح فراشة غض
و حجاره جفني و ما غمض
يل التمشي بيا ويا النبض
روحي علي روحك تنسحن
حن بويه حن... حن عمي حن ...
عيونك زرازير البراري/ بكل فرحها بكل نشاط جناحها/ بعالي السحر
و الروح مني عوسجة بر/ ما وصل ليها الندي/ ولا جاسها بقطرة المطر
وصفولي عنك يالنباعي تفيض/ و تعليت ليلة ويا القمر
وصفولي عنك كل مسامة تفيض منك عطر
يالحسنك نهر.. تنزل بصدري ويا النفس/ وبدمي غصبن تنعجن
و أشهق و اصعدك للسما/ بحسرات و بغنة حزن
حن.. حن بويه حن
لا مقابلات صحافية
كان معي الصديقان الناقد ياسين النصير وشفيق الياسري، الذي له فضل اصطحابنا إلي بيت مظفر، لنجد الشاعر علي غاية اللطف والإناقة فهو أكثر شبها بقصيدته تلك التي تناقلناها شباناً وكهولاً، رجالاً ونساءً، عشاقاً ومحرومين، سجناء وطلقاء، مقيمين ومنفيين.
أول ما لفت انتباهي هو وجود تينك الصحيفتين العربيتين، اللتين كانت (الزمان) إحداها، بينما كان تلفازه مفتوحا علي (الشرقية).
الشقة نظيفة ومرتبة، تمتزج فيها بساطة الشاعر ورهافته ودفء المكان وحرارة الضيافة.
أما هو فقد رهف صوته أكثر وإيقاعه بدا لي أكثر تأملاً، وبدت عيناه صبورتين ويداه تلمسان الأشياء بتردد.
ياسين كان البادئ بالسؤال: قرأنا الكثير حول تجربة حفر النفق في سجن نقرة السلمان، لكن ثمة اختلافات وتناقضات كثيرة فيما كتب، من سيكتبها بأمانة؟
يجيب مظفر: نعم، للأسف، وهو أمر لا يخص هذه التجربة، وحدها، بل عموم حياتنا الثقافية والسياسية والاجتماعية، حاولت أن أوثقها، من ناحيتي، شعراً....
"المنايا الما تزورك زورها" عنوان قصيدتك عن الشهيد صلاح. عقبت أنا، لكي أغير دفة الحديث إلي الشعر.
نعم، هذا صحيح، لكن الشهيد لم يرسل تلك البرقية المتفق عليها بعد وصوله سالماً، فعرفنا أنه قضي ضحية ضواري الصحراء. أوضح أبو عادل.
رغم أنه لم يوافق علي أي مقابلة صحفية، مقروءة أو مسموعة أو مرئية، منذ وقت بعيد، إلا أنه كان متدفقاً ودقيقاً في كلامه المكفول بذاكرة جيدة جداً. حتي أنني ذكرته بلقاء لي معه عام 1968 بينما كنا نعبر جسر الأحرار أنا وصديق له كان سجينا معه في السلمان إسمه (صباح صاروخ) وهو بمثابة أخ أكبر لي، تذكره جيداً لكنه لم يتذكرني طبعاً، فقد كنت أنذاك في الثامنة عشرة من عمري وهو أول لقاء لي معه وجها لوجه.
والشعر، أين الشعر اليوم، يا أبا عادل؟ سألته؟
قال: إنني أكتب، ولكن ببطء. أفضل الكتابة بالقلم.. الكومبيوتر لا يليق بالشعر.. القلم حميمي أكثر بكثير.
هيأت عدستي لألتقط بعض الصور الشخصية للقاء، فاكتشفت أن بطاريتها قد نفدت فأسقط في يدي.. وبين فرحي بلقاء هذا الشاعر الفذ وارتباكي "التكنولوجي" لم أفكر، قط، بأن أذهب إلي الدكان القريب لأشتري بطارية!
التقطت صورا بديلة بكاميرا هاتفي النقال وكنت سعيداً بهذا الحل.
قلت لمظفر: صديقنا الملحن كوكب حمزة علي وشك تسجيل أغنية (للريل وحمد) في أحد ستوديوهات دمشق.
قال: أعرف، وقد أسمعني اللحن.. إنه لحن جميل.
تبادلنا النظرات، أنا وصاحباي، علي شكل رسائل خاطفة لنستأذن الشاعر بالمغادرة، وهذا الذي كان.
أصر أبو عادل علي أن يرافقنا حتي الباب.
اتفقنا في اليوم التالي أنا وصديقي كوكب علي زيارة أبي عادل مجدداً. علي أن يحمل له تسجيل أغنية "للريل وحمد" كاملاً، لكن هذا لم يحصل بسبب انشغال كوكب بالتسجيل، وهكذا فاتتني فرصة أن استكمل "الدردشة" مع مظفر والتقاط صور جديدة.
الف ياء |